تساؤلات تربوية (2)/ عثمان جدو

959 views مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 6 يونيو 2021 - 9:33 صباحًا
تساؤلات تربوية (2)/ عثمان جدو

في هذا الجزء الثاني والأخير من التساؤلات التي أثارها المقال الأول تحت نفس العنوان؛ نحاول بسط بعض الملاحظات تبعا لذلك، ولن يستساغ أن نبدأ بغير الأحداث الإجرامية التي يعيشها المجتمع هذه الأيام والتي هي نتاج حتمي لتراكم النواقص في المنظومة التربوية على مدى عقود ثلاثة على أقل تقدير، ترى أين نقطة التماس بين هذه الجرائم مع المنظومة التربوية؟ ومن زاوية تربوية أخرى لن يعمينا النقد عن الاعتراف ببعض ما أنجز في قطاع التعليم خاصة في السنتين الأخيرتين ومع هذا الوزير بالذات؛ ودون إحاطة بذلك أو تتبع لكثير من النقاط نقف عند محاولة ضبط النظام التربوي معلوماتيا، فكيف كان ذلك؟ وما هي جدوائية المنصة المستقبلية؟ إضافة إلى ذلك نتعرض لأهم ما ذكر للتحسين من وضعية المدرس في ما بات يعرف بالمعلم الرئيسي، فهل سَلَكَ هذا السلك مسلكه الطبيعي أم أن في الأمر اعوجاجا تلزم إقامته؟ وهل وَضْعُ المدرس الصامت أحسنَ من صِنْوِهِ الناطق أم أن كلاهما يحتاج زيادة الاعتبار والمبادرة بالإنعاش؟، كل هذه التساؤلات سنحاول الإجابة عليها من خلال النقاط التالية:

-أولا: لا يكاد يوجد خلاف حول علاقة الجرائم المنتشرة اليوم في بلادنا، وخاصة في انواكشوط وانواذيبو والتسرب المدرسي قبل غيره؛ ومعروف أن روافد الجريمة كثيرة لكن من أهمها الانتشار المقلق للمخدرات والمواد المسكرة والمهلوسة، ومن أول منابعها الذي يجب العمل على تجفيفه التسرب المدرسي، وغياب السند العائلي، وسنقتصر في البسط أكثر على التسرب المدرسي؛ التزاما بموضوع هذه التساؤلات التربوية؛

 مما لا شك فيه أن التسرب المدرسي هو نتاج لجملة من الأخطاء المتراكمة، يصدر بعضها عن المدرسة والجهاز الحكومي الذي تمثله، فعند غياب المردودية التربوية وأقول المردودية التربوية، وضعف دور الأسرة بفعل عوامل التمزيق الذي ليس أقلها التفكك الأسري والتنصل من رعاية الأبناء، أو وجود الأبناء تحت رحمة تدبير الأمهات العازبات بعقليتهن وخجلهن من مجتمع يحتفظ بخطيئتهن كأبرز منعطفات سيرهن الذاتية، ومع تيهان المعالجات الاجتماعية؛ أهلية كانت أو رسمية، يضيع طفل اليوم ليصبح المجرم غدا، ويقتل من أجتهد الأهل في تربيتهم وتعليمهم وحازوا بعد ذلك أرفع الأوسمة والألقاب؛ وحينها ندرك جميعا أن تفرجنا على المتأخرين في التحصيل العلمي أو المتسربين من المدارس؛ ونحن نتلهى بذلك، سيشغلنا ذات يوم، ونحن نتحسر ونعتصر ألما ومرارة، بعيدا عن نكهة الفكاهة ذات زمان مضى!.  

ثانيا: لقد عانى قطاع التعليم في الحقب الماضية من عدم ضبط بيانات المدرسين والتلاميذ؛ وتبعا لذلك ظلت الفوضى تطبع حركة المدرسين من وإلى انواكشوط ومن بعض الولايات الداخلية إلى أخرى أثناء السنة الدراسية، في حركة متاجرة سيئة بمستقبل الأجيال عن طريق تحويلات المدرسين غير المعلنة تبعا لتفاهمات مالية تافهة إذا ما قورنت بما يترتب عليها من ضياعٍ لجهود المنظومة التربوية،  وإلى جانبها كانت تشهد أعداد التلاميذ تلاعبا كبيرا لجملة أسباب نذكر منها اثنين –الأول: زيادة عدد التلاميذ زورا لغرض زيادة حصة الكفالة المدرسية، -الثاني: زيادة أعداد التلاميذ وهمًا أيضا لكي تبقى مدرسة الحي في الوسط الريفي والتي لا تضم العدد الكافي من التلاميذ مفتوحة لاقترانها باسم العائلة أو أحد أفرادها، ولكم أن تتخيلوا حجم الكارثة المترتبة على ضياع الإحصائيات الدقيقة مما يولد تقييما بعيدا عن معطيات الواقع، يُضاف إلى ما تقدم سهولة اختفاء المدرسين برعاية رسمية؛ مازال أغلب رعاتها يراوح مكانه؛ ويقتات على إفساده للمنظومة التربوية، والوقوف خلف الستار للتثبيط والتأزيم!!، ومن هنا تتنزل أهمية المنصة وضبط البيانات على أسس معلوماتية تتيح المتابعة والتثبت في لحظات معدودة، وطبعا من شأن ذلك أن يكون انطلاقة حقيقية، يُؤسس عليها للنهوض فعلا بقطاع التعليم، واستشراف منظومة تربوية يُلتمس إسهامها في التنمية.

 -ثالثا: نصل في هذه النقطة إلى حدث مهم أُعلن عنه في الأسابيع الماضية لكنه بِخِلقةٍ مشوهة؛ يتعلق الأمر بسلك المعلم الرئيسي؛ الفكرة من الأساس في منتهى الروعة، وتشكل إضافة وتنشيطا للمنظومة التربوية وإنصافا لمدرسي التعليم الأساسي؛ الذين هم بطبيعة الحال؛ الأساس الذي تقف عليه المنظومة التربوية، وطبعا يقوى البنيان من تماسك وصلابة أساسه، ومنه يَنْهَدُّ لخرابه.. الشيء الذي جعل هذا الوليد مشوها هو كونه –حسب ما صاحبه من تفسيرات- يُولج باكتتاب جديد ويُؤسِّسُ لشعبة جديدة في مدارس التكوين!، وهذا منطوٍ على خطإ كبير، فهل يعقل أن يشارك معلم خدم في القطاع أكثر من عشرين سنة مثلا ويحمل شهادات جامعية -ليصانص أو ماستر أو دكتوراه-  هل يعقل أن يشارك من جديد ويدخل مدارس التكوين كي نقول  له بعد سنتي تكوين اخرج بسلام أيها المعلم الرئيسي!! وهل في هذا إنصاف؟ أعتقد أن الخطوة من الأصل جيدة لكن تكييفها وإجراءاتها المصاحبة شوهتها، فمثلا كان الأولى وهو الأكثر إنصافا وواقعية أن يكون كل من يوجد في الميدان يحمل شهادة جامعية، وسبق له دخول المعلمين بالباكالوريا؛ يحمل صفة معلم رئيسي ويدخل الفئة –أ- تلقائيا، وتتاح له نفس الامتيازات المتاحه لأقرانه في التعليم الثانوي ولِمَ لا في التعليم الجامعي، من اعتبارات مادية تنعكس على الراتب ومعنوية تظهر في التعيينات الاستحقاقية التي ينبغي حينئذ أن يكون أولها تسيير الإدارات الجهوية للتعليم؛ فهي ليست أرفع ولا أكثر تعقيدا من الإدارات المركزية ولاهي كذلك مع التكليف بالمهام التي كُلِّف بها المعلمون عن طريق مجلس الوزراء.. إِذَنْ قضية معلم رئيسي تحتاج إعادة تكييف حتى تكون ساريةً بأثرٍ رجعي على كل معلم يحمل شهادة جامعية.

 -رابعا: أما عن الكتاب المدرسي (المدرس الصامت) صِنْوُ المدرس الناطق والذي لا يقل عنه أهمية؛ فإن المنظومة التربوية من جانبه تعاني؛ بفعل غياب الآلة الطبيعية القادرة على توفيره ممثلة في طابعة عصرية تكرر طلبها وفتح الضوء لاقتنائها، لكن ذلك عَسُرَ فيما يبدو وظلت المعاناة تتولد مع ندرة الكتاب المدرسي رغم الجهود المتواصلة من المعهد التربوي الوطني للحد من تداعيات ذلك، لكنه بدا أكبر من حمل بعير.. الآن يُتدارك الموقف من خلال صفقة اقتناء ما يزيد على مليون كتاب مدرسي، ستغطي الجزء الأكبر من حاجة التعليم الأساسي، وهذا مهم لكنه ليس حلا نهائيا، بل يلزم في سبيل الحصول على الحل النهائي؛ اقتناء طابعة عصرية، وتفعيل المعاهد الجهوية تفعيلا يُقِرُّ لهم وجود ميزانيات تسيير ثابتة، ويمكنهم من وسائل تنقل تضمن نقل وإيصال ومتابعة الكتاب المدرسي على عموم التراب الوطني، وقبل ذلك كله؛ تصحيح وضعية رواتب مديري المعاهد التربوية الجهوية ومساعديهم (المتضررة) وفق المنصوص عليه في المرسوم المنظم للمؤسسة والذي يحمل رقم 106/93 الصادر سنة 1993م، والذي تعهدت الإدارة العامة بتسويته لوجاهته؛ وربما استعصى عليها ذلك؛ لحاجته إلى تدخل أرفع مثل تدخل الوزير مباشرة، بوصفه رأس الوصاية الفنية، ثم يلتمس لإحقاق ذلك تدخل الوصاية المالية.

بقي أن نشير في الأخير إلى أن وزير التهذيب الوطني بحيازته لثقة الرئيس بإعادة التكليف قد تسلم شيك صلاحيات على بياض، وعليه أن يبدأ بتنقية حقل ملوث هو يعرف جيدا أنه لن يستقيم في مسيرة الإصلاح قبل ذلك، وعليه الاستعانة بكل من قل فساده وبَرِئَتْ سُمعته مما يُثار حول مفسدي الوزارة همسا أو بوحا.. فالتغيير يحتاج إلى التغير، وعليه أن لا يصغي للقائلين بتجاهل كل الأصوات التي خرجت في الأيام الماضية ووقفت على الضفة الأخرى، بل عليه أن يناديهم بصوت عال، وأن يفتح لهم ذراعيه حتى وإن اقتضى منه الأمر أن يُبْحِرَ هو بنفسه إليهم، ويُحضرهم حول مائدته، ويجالسهم، ويحاورهم، ويتفاهم معهم. 

رابط مختصر