: ‎ولد عبد العزيز وامتحان التاريخ !

1٬241 views مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 22 أغسطس 2019 - 5:05 مساءً
: ‎ولد عبد العزيز وامتحان التاريخ !


من هو محمد ولد عبد العزيز ؟ .. لقد صوره البعض في ‎حياته وكأنه رجل المعجزات ..وصوره آخرون -وهو في السلطة – رجل الكوارث نفس التصوير وهو سيغادرها .
‎إن المجموعة الاولى التى صورته..رجل المعجزات كانت فى الحقيقة تريد الحفاظ على مصالحها و تهرب من تحمله المسؤولية وحده  كل الخطايا .. وأما المجموعة الثانية التى  صورته .. رجل الكوارث .. كانت تنظر إليه من خلال ماأصابها فى مصالحهاالشخصية  بما فى ذلك من تحطيم لأحلامها  .. والحقيقة ان ولد عبد العزيز لم يكن رجل المعجزات ولا الكوارث …. وإنما كان ولا زال بطلا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة .. جسد في لحظات حكمه  شخصيته  وأسلوبه القوي فى اخراج شعب  يرسف في أغلال التخلف والقهر .. وقد أستمد قوته من طاقته العظمي  على التحدي أيا كانت العوائق …… وأيا كنت النتائج التى وصل اليها  لم تكن معزولة أبدا  عن البيئة التى ولد فيها .
‎ولقد تعرض فى مختلف مراحل حكمه لكثير من موازين التقييم الخاطئة من مختلف المواقع السياسية التى اختارته أصلا ليكون الميزان.. وكثيرا ماتبادل أهل الرأي وجهات النظر فيه ولم تكن أبدا متوافقة طالما كانت الأرباح والخسائر هي اللغة المشتركة بين هؤلاء ، ولكن هذه الفروق كانت تتداخل وتتشابك حين يصل الامر الى تقييم شخصيته لا بإنجازاته .. فلن تجد معارضين يجمعهما قاسم مشترك ولو واحد حول الاعتراف بانجازاته ولو  كان من ضمنها أطول برج فى  العالم أو بناء مدينة فوق انواكشوط ..فلن يروا ذلك أبدا..ولا توظيفا مشتركا حول تعريف أو توصيف ما لشخصية القائد .. بينما قد تجد قاسما مشتركا أعظم لصورة ولد عبد العزيز  فى أعين  المثقفين ، تتعارض جزئيا أو كليا عن صورته في اعين السياسيين الراديكاليين والجدد ..وقد تكتشف الحد الأدنى من الخطوط العريضة التى أضفاها المعارضون على  شخصيته .. وهي تغاير تماما الخطوط التى أضافها العرب عليه.. كما تغاير أيضا تلك التى أضفاها الأفارقة عليه ..
‎أين الحقيقة إذن .. وهل كانت لولد عبد العزيز عدة وجوه حتى يختلف الناس حول شخصه بينما يتفقون بالسلب أو الإيجاب حول إنجازاته ؟ …. أم أن لولد عبد العزيز وجه واحد .. ولكن درجة الرؤية عند البشر هي التى تختلف ضعفا وقوة .. قربا وبعدا ؟ .. وهل من المهم حقا أن نعرف محمد ولد عبد العزيز وقد عرفنا تقريبا ماأنجز وما لم ينجز ؟
‎إنه لم يكن لولد عبد العزيز أكثر من وجه وتلك هي السمة الأولي فى تكوينه الشخصي .. إنه كان ولازال ذا وجه واحد .. وقد لا يكون بُعد الرجل أو ضعف البصر هو السبب فى ضعف صورته أو عدم إكتمالها .. ربما كانت زاوية الرؤية هي السبب ! .. ولكن الوجه الواحد يظل السمة القوية والبارزة في بناء الرجل .. فحتى كل المناورات السياسية التى أدارها لم تكن إزدواجا في الشخصية .. وإنما كانت اسلوبا في العمل يديره نحو هدف محدد لا تعارض مجمل الأهداف ولم تكن أساليبه تناقض من الواجهة الأخلاقية الأهداف .
‎من المهم أن نعرف ولد عبد العزيز كفرد .. لأنه قد برهن بشخصه وأسلوبه على أهمية الفرد فى صناعة التاريخ .. سواء لبصمته التى لا تقبل المحو عن مسار البناء أو للظروف التاريخية لموريتانيا كجزء جوهري من العالم الثالث أو لتفاعل العنصرين معا وهو الأرجح ..وعلى أية حال فقد كان ملهما بين الرؤساء الذين سبقوه لانه شق طريقا لنفسه متميزا وسط التراث الهش الذي ورثه من سابقيه وقد أكتسب وزنه الدولي فهو الذي دفع بنفسه الى مكان خاص في المسرح الأفريقي  وهو فى قمة السلطة .. لقد ولدت إنجازاته ولم ترحل وهو الآن يغادر السلطة وكان بامكانه ان يبقي غير انه فضل أن يؤكد أهمية دور الفرد بالمجتمع حينما تتعلق الأمور بالوفاء بالعهود .. ولا شك أن منجزاته وانعكاساتها لا يمكن تفسيرها بغير ضوء شخصيته .. فالتكوين الاقتصادي والاجتماعي لهما دورهما الحاسم ولكننا لا نستطيع الوصول الى هذا التكامل والإقناع بفرض ذلك الضوء على شخصيته..ولا شك أنه أيضا للمختار داداه و حتى الذين عقبوه آثرهم على مسيرة موريتانيا .. لكن دور الحاسم على صعيد الأفراد كان لولد عبد العزيز و بمسافات طويلة ..و الأسئلة التى تطرح نفسها فى هذا السياق بارزة : لماذ ؟ …. لماذا  لمع نجمه وهم من بيئات اجتماعية واتجاهات فكرية متقاربة الأصول ؟
‎لماذا و لماذا وغالبيتهم تنتمي الي العسكر ؟
‎والجواب أن هذه الحدود المشترك هي التى جمعتهم ولكن القسمات المميزة لكل منهم هي التى عادت وفرقت بينهم ولا بد اذن من ان القسمات التى يملكهاولد عبد العزيز هي التى حافظت عليه وهو فى قمة السلطة .. والقسمة المميزة لا تعني الملامح الاستثنائية فحسب ، ولكنها تعنى الملامح الطبيعية التى يختلف بها كل إنسان عن الآخر .. وقد ولد عبد العزيز مميزا في قسماته الطبيعية .. إنه كان أقرب رفاقه وسابقيه من رؤساء الى البيئة الاجتماعية .. لانه ولد من  أسرة متوسطة الحال .. والباقون جميعا كانو من شرائح البرجوازية .. وقد انعكس هذا التكوين على حياته انعكاسا حادا في تواضع الحياة التى عاشها والحرص البالغ على نظافة السلوك الشخصي وإحساسه الطاغي بالكرامة وتمسكه العنيد بقيمة الرجولة .. انها بالطبع القيم الأخلاقية ولكنها كثيرا ما تدخلت في تشكيل حياته السياسية بالسلب والإيجاب ..وقد هذا السلوك من جانب ولد عبد العزيز هو الذي جذب اليه الكثير من المؤمنين بالوطنية والفقراء وأصحاب القلوب النظيفة .. هؤلاء الذين يغيظهم الترف والعيب .. هؤلاء النطاف هم الذين خرجوا اليه بالآلاف يوم رجوعه من باريس بعد مروره بتلك الوعكة الصحية المعروفة ب ‘ أعمارت أطويلة’ وهم الذين ألتفوا حوله التفافا أسطوريا لايصدق من المطار الى القصر رغم أن بعض الجهات ذات الأدخنة الغامضة ارادت ربط  القضية آنذاك بشائعة غير اخلاقية وركبت أمواج ذلك ، لكن سرعان ماذابت …. كان ذلك السلوك الذي يتمتع به جعله عند البسطاء مثلهم الأعلى وواحد منهم وانه شرف لهم أن يكون منهم ويشرف البلد كنموذج اخلاقي وأنه قاس مع نفسه هذه الشائعة قبل أن يقسوا مع غيره .. كانت هذه السمة هي احدى همزات الوصل السحرية التى ربطته بالجماهير وكانت هذه السمة هي التى وقفت الي جانبه أثناء الأزمات .
‎إنه كان مزيجا مركبا من الكبرياء الشخصي والكبرياء الوطنى ولن نستطيع أن نفصل بينهما ..

‎إنه الشعورالوطنى العارم الذي جعله يُؤْمِن بالوطنية ..ذلك أنه بالرغم من المنهج التجريبي في حياته السياسية- وهو المنهج الذي أعتمد فيه على الخبرة – كان قادرا بواسطته  علي التوفيق في استشفاف التحدي  وقادرا على الاستجابة السريعة من وراء ذلك  .. والمنهج التجريبي بالغ الخطر اذا أمسكت به شخصية عادية .. قد  يتسبب ذلك في العديد من المخاطر  .. لكن قدرته غير العادية على استكشاف ابعاد ذلك التحدي وقدرته غير العادية  على الاستجابة السريعة قد انتقلت به من زعيم انقلاب الى قائد ثوري .. وعلى هذا المنحي المعقد أستطيع ان أبسط الموضوع للذين يقرؤون من الخلف والذين لا يريدون سماع الحقيقة .. الى لغة ابسط فأقول : إنه الإحساس المطلق الذي جعله يقول ذات يوم لأحد رفاقه العسكر .. إننا ثلاثة أو أربعة ملايين ويمكن أن يكون لنا جيش كبير وأن ننظم دفاعنا الخاص وإن من واجبنا نحن – لا دولة غربية ولا عربية- أن ندافع عن منطقتنا وشعبنا .. فلا ندري متى ندخل الحروب ! …. هذا النوع من الوطنية هو الذي أنار بصيرته .. فرأي موريتانيا داخل المنظومة الأفريقية والعربية معزولة كما لم يراها أحد قبله.. هذا الإحساس هو الذي دفعه الى شراء السلاح والدبابات .. وهذا النوع من الوطنية هو الذي دفعه الى تكوين اقوي جيش عرفته البلاد من يوم نشأتها الى الآن .. وهذا النوع من الوطنية هو الذي دفعه الى تمزيق كل الاتفاقيات السابقة.. و هذا كله هو ما دفع الأعداء الى احترام موريتانيا وأصبحوا يحسبون لها الف حساب …. فهي لم تعد تلك العاملة المهمشة .. بل اصبحوا يتسابقون الى إرضائها وسماع رأيها !
‎وحين قاد ولد عبد العزيز  الانقلاب لم يكن فيلسوفا يطبق احدى نظريات العمل الثوري ولم يكن أيضا بالمقابل مغامرا أطلق لشهوة السلطة العنان فى انقلاب عسكري .. كان احد ابناء جيل الخمسينات وهو الجيل الاستثنائي فى تاريخنا الحديث .. اذ كانت موريتانيا آنذاك تحت رحمة اجداده الأحرار .. هكذا يقول التاريخ الذي كتبه وشهدت عليه اقلام الروم ..و ذلك التاريخ  هو ‘ الرصاص’ الذي ولدت منه العنقاء كما تقول الأساطير ! ..
‎كان ولد عبد العزيز ولايزال هو الرمز  الأول و الأكبر  من بين كل الرؤساء الذين سبقوه الى منافذ الحكم ، وليس مهما حساب الشتائم والافتراءات التى تكيلها اجهزة إعلام المعارضة ولا المعارضة نفسها .. فالمؤشرات السابقة اقوي  في  ترجيح الظن بان هناك مخططا خبيث لإزالة وطمس حقيقة إنجازات الرجل .. وهل هذا ممكن ؟ .. إن إنجازاته ليست مجموعة من الأقوال مسجلة فى عدة مجلدات يمكن محوها .. وانما هي تجسدت على ارض الواقع .. كما انها ليست مجموعة من القرارات اتخذها فى تاريخه السياسي .. وإنما هي -بالدقة- “الإنجازات التاريخية” التى صنعها مدا وجزرا .. شدا وجذبا.. سلبا وإيجابا طوال العشرية الاخيرة .
‎ومما يحسب له سياسيا كيف استطاع أن يمر من وسط ذلك الظلام الحالك الذي كان يخيم على الأحزاب السياسية .. و حيث كان كل حزب منعزل بإتجهاته الضيقة و الغريبة .. فمثلا حزب التواصل فى جانب و حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي بدأ يلفظ انفاسه الاخيرة يوم اعترف بالانقلاب .. وبقية احزاب من ورق لا تستحق الذكر .. هذه الواجهة للتنظيمات  السياسية للأحزاب ، كانت تخفي مجتمعا بالغ التعاسة والبؤس .. ولم يكن هناك – ولايزال- حزب سياسي واحد قادر على استقطاب مشاعر الجماهير .. فقد دبت الشيخوخة في بعضهم و أخذ الاستنفار من بعضهم الآخر من طرف الجماهير حين استقبلوا رجالات الأنظمة الفاسدة السابقة .. الوحيد الذي بقي على الواجهة داخل  غرف الانعاش هو تواصل .. وحينما غاب برنامجهم السياسي ظهر جليا ارهابهم الدموي وارتباطاتهم المشبوة بالتيارات الإرهابية العالمية …. وكان هذا كفيلا بأن يجعلهم بمعزل عن احتياجات الشعب ….!
‎إذن لقد تعرف ولد عبد العزيز على هذه التنظيمات عن قرب ولمس واقعها ولم يجد نفسه فى واحد منها .. لم يجد نفسه لأنه لم يجد وطنه ..وربما يكون هذا نقيضا لمعظم العساكر الذين سبقوه الى الحكم .. فقد كان بعضهم متيما لهذا التنظيم والآخر لا منتميا ورؤيته السياسية غامضة….!
‎لم يكن إنقلاب ولد عبد العزيز على معاوية انقلابا سياسيا مستمدا قوته منها .. فالمجلس العسكري الذي أُسس آنذاك لقيادة البلد .. كان تكوين جميع  أعضائه متقارب وطبيعة عملهم فى الجيش تمثلان الحد الادني من المشاعر والأفكار وقد كان توفر هذا الحد الأدنى بينهم  سببا فى نجاح ذلك المجلس فى استلائه واستمراره فى السلطة .. لكن غياب التجانس بينهم كان هو الآخر  سببا في سقوط الواحد منهم تلو الآخر .. ذلك ان استمرار الصراع بينهم أي تحوله الى حدود إثبات الذات فى صنع القرار .. كان هذا يحتاج الى الشخصية الاستراتيجية .. وكل لاعب تكتيكي كان مصيره الانسلاخ اختيارا او اضطرارا عن المسار ..
‎بعضهم تصور نفسه مندوبا لحزب معين وبعضهم تصور نفسه مندوب عن حزب آخر .. والآخر عن حزب …. وكأن الامر كله جبهة بين التنظيمات القديمة في إطار عسكري ..
‎ولد عبد العزيز – وهو صانع الانقلاب- هو وحده من بينهم جميعا كان يري الوضع مختلفا بصورة جذرية .. لم يكن ينظر الي التفاصيل التى ربطت غالبيتهم والماضي السياسي وإنما كان ينظر الى موريتانيا .. أين هي الآن .. وكيف يمكن أن تكون  غدا  .. وماهي الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف ؟
‎كانت موريتانيا بلدا بالغ التخلف أهترأت مؤسساته التى تعبر عن واقع التخلف بمزيد من الفقر المدقع والضياع الاجتماعي وكانت معزولة تعانى اغترابا قوميا ووحدة مدمرة و اضطرابا دوليا أفقدها الرؤية لموازين القوى الجديدة من بين أخواتها  من  القارة الأفريقية.
‎ولا بد أن ولد عبد العزيز توقف طويلا آنذاك حين التحمت فصائل الشعب نحوه التحاما أسطوريا حينما  سُمي رئيس الفقراء وكيف أن ذلك الإرهاص العظيم به أجهض على الأيادي الأخري التى ارادت ان تكون صانعة القرار .. ولا بد انه شعر فى تلك السنوات القليلة بأن العالم يتغير  وان غروب الشمس عن املاك القوى الأخري ليس هو المشهد فى اللوحة الجديدة .. ذلك انه فى ذلك الوقت المبكر قد تبلور وعيه السياسي .. فالمسألة الوطنية والاجتماعية وجهان لعملة واحدة وهكذا   لا يصبح تحرير الوطن خلاصا للأرض من رجالات أعمال السلطات  السابقة فحسب بل خلاصا للمواطن من الاستغلال بكافة صوره المدمرة .. بهذا التصور انطلق ولد عبد العزيز بموريتانيا فى تحرك تاريخي .. وأكرر انه بذلك لم يكن فيلسوفا يطبق احدي نظريات العمل الثوري ولا مغامرا من فوق دبابة وإنما كان رادارا لحركة أيقن انه يمكن ان ينشئها وينطلق بها رغم التحديات التى  خلفتها الأنظمة السابقة  والميراث الهائل لها .. وقد تحمل بشجاعة الشخصية كل ما جرته هذه الأعباء الثقال من خسائر باهظة ومسؤوليات جسام لأن هدفه الأكبر كان تحديث موريتانيا بإدخالها قلب القرن الواحد والعشرين وإقصاء التخلف وعصابات الأنظمة السابقة الفاسدة -التى تحول دون أي شيء من شأنه يقود البلاد الى الأمام – عن كاهلها المتعب وكان هذا يتطلب عملا جبارا وجسورا .. نجح ولد عبد العزيز فى تقليب الموازين ولم  يصبح زعيما وقائدا  فحسب .. بل اصبح مناضلا رائدا يشار اليه بأنه زعيما رائدا.. مرت عليه الثورات والتمردات التى حدثت في البلدان العربية وراح ضحيتها مئات الآلاف .. مرر الخليج نواياه السيئة عبر بعض الأحزاب الدموية من أجل صناعة ثورة فى موريتانيا .. لكنه كان مستيقظا فنجح فى الحفاظ على التوازن معتمدا على حب الجماهير .. فكانت التجربة الموريتانية ملهمة للجميع ولم يكن الإلهام استقراء من بعيد بل كان اتصالا وثيقا بينه وشعبه وبين موريتانيا والدول العربية الحديثة التحرر من الطغيان ،، وهكذا اصبح وجه موريتانيا الجديد فى ذلك العالم المتحرر .. عالم مابعد الثورات .. وجها نقيضا لوجهها الاقطاعي المهترئ المعزول فى قوقعة التخلف والقهر على يد السلطات السابقة ..
‎وهذا كله ليس من المعانى المجردة ، وإنما صار واقع مادي يتنفس المواطنون هواءه .. إنه كالشهيق والزفير لا  الحياة لهم دونهما ..
‎قد يبدوا إنقلاب ” ولد عبد العزيز ”  وماتبع ذلك مثل روايات “جول فيرن”، كاتب الخيال العلمي … في كيفية التحرك والمطاردة بين قروش البحر ففيها ماهو مفترس ومنها ماهوغير  مفترس ، ولنعرف أمورا لا يمكن أن ترى بالعين المجردة …… يلزم التحقيق والبحث ….  !

‎إن إسقاط السلطة شبه الإقطاعية وتصفية إمتيازاتها الطبقية قد أسقط أيضا مجموعة العلاقات الاجتماعية التى كانت سائدة فبل الإنقلاب ..وعلى مدي العشرية الأخيرة التى عاشها ولد عبد العزيز حاكما ورغم كل السلبيات والثغرات والنكسات التى تدعم ذلك السقوط .. يوما بعد يوم ..برزت الى الساحة الوجود الاقتصادي والاجتماعي طبقات وفئات اجتماعية جديدة فى ظل أشكال جديدة للدفع بعجلة الاقتصاد إلي الأمام .. وهؤلاء هم الذين شكلوا العمود الفقري للمجتمع الموريتاني المعاصر ، فالقطاع العام ونظام الأجور والمشاركة فى الادارة والتعاونيات ….. هذه كلها ليست مجرد مكاسب اقتصادية طارئة وإنما هي نظام شامل أستظلت به في صنع الأجيال.
‎إن إنشاء مطار بمواصفات دولية ومصانع  الدقيق la farine  ومئات المشاريع وعشرات المصانع ليست مجرد أبنية من الحديد والإسمنت وإنما هي قاعدة هرم إجتماعي ضخم ، أفرز على مدي الزمن قيما جديدة وعلاقات اجتماعية بارزة هي النسيج الحي لمكانيزم العمل والفكر والشعور .. هي دينامو الوجود .
‎وأيضا  إنشاء و إنتشار الجامعات وكليات الطب  والمعاهد العليا  والمركز الوطنى لأمراض القلب على طريق انواذيب وإنشاء جامعة بوليتكنك …..كل ذلك ليس ترفا زخرفيا فى شكل مؤسسات للربح وإنما هو تنظيمات إجتماعية وروحية ..تخرجت وستتخرج منها مئات الألوف من الشباب .. والكليات العسكرية وتطوير القوات المسلحة وعشرات الأسلحة المتطورة .. ليست ماكينات من الحديد والنار ولا زينة تمشي في الميادين وإنما هي حقل اجتماعي وسياسي باقي للشعب.. إنه جيش ولد عبد العزيز الذي أنتصر به و هو يغادر السلطة !
‎وعلى الرغم من أنه لم يكن يملك السلطة في بعض الدول الأفريقية .. إلا انه دخل وجدان وعقل المواطن الأفريقي .. ولم يكن ولد عبد العزيز مجرد زعيم وطنى بارز فى مايسمي العالم الثالث .. وإنما كان بفكره وشجاعته قائدا تاريخيا ترك بصماته على كتاب الإنجازات التى لايمحوها الزمن !
‎وبعد ،
‎فإنهم يستطيعون نزع. صور ولد عبد العزيز من الإدارات الرسمية ..ويستطيعون شتمه ليل نهار.. ويستطيعون ماهو أكثر من ذلك .. ولكنهم ينسون أنه لم يكن رئيسا أو رجل دولة .. وإنما كان حركة تاريخية تنشد التقدم والازدهار .. كان هذا التيار سابقا عليه وسيظل باقيا من بعده .. ولكن هو الذي جسده بقوته وشجاعته فى حركة تاريخية واقعية والتى تستحيل إزاحتها .
‎إن ولد عبد العزيز كشخص سيغادر ولكن إنجازاته لاتزول آثارها .. فإنها بآثارها قد فعلت فعلها المحتوم وأنتهي الأمر، فأصبحت كخلايا الدم جزءا لاينفصل عن نسيج الحياة ..
‎قد يسترد بعض المجرمين فى حق الشعب ممتلكاتهم ولكنهم لن يستردوا أبدا عصر ماقبل الإنقلاب .. لن يستردوا قيما وارها الزمن .. ولا علاقات اجتماعية نافذة أصبحت في متاحف القمامات .. لن يستدروا الزبونية والإقطاع ولا موريتانيا المنسية والمعزولة عن العالم والعرب .. فأبناؤهم وبناتهم من رحم عصر جديد .. والزمن لا يمضي إلى الوراء مهما خيل للبعض ذلك .. وقد كان ولد عبد العزيز نقطة فاصلة بين عصرين !

لقد حاولت فى  ماسبق أن أبرز جانبا هاما من شخصية ولد عبد العزيز .. ذلك الجانب الذي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال، لأنه  مُكمل للجوانب الأخري  التى لم نمر بها .. وإن كنت قد  وضحتها فى حلقات سابقة  ‘ بوعماتو وعزيز’ …. ولأن المحقق لا يعنيه فى الكثير ولا القليل أن يتأثر إيجابا أوسلبا  فى تقويم أي  شخصية  تناولها .. لان مايعنيه هو سرد الخبر سواء اتخذ ذلك شكل المقال  او التحقيق.. وإن هو حاول – كما يفعل كتاب القشور- أن يصنع من الشخصية محلولا متجانسا ..فإن القيود والأغلال ستحول بينه وبين الأبعاد المختلفة التى كان يمكن أن يصل اليها لو أنه تحرر من هذه العوائق الشاذة !
لقد أعتمد ولد عبد العزيز في سياسته  طوال العشرية الأخيرة .. على أن منطق العصر وكل العصور ..أن الحق  المسلح بالقوة وحده هو الذي  يجد لأصحابه مكانا تحت  الشمس ، أما السلام بغير إمكانيات الدفاع عنه فهو وهم  مثالي لا مكان للداعين إليه  فوق سطح الأرض .. !
وبهذا أستطاع ولد  عبد العزيز أن يقطع أشواطا عظيمة  أدت بالشعب أن يتخلص من المهانة  وأن يخرج من الأزمات الطاحنة التى غرستها  السلطات السابقة .. وعلى الرغم من كل ذلك  كانت توجد دائما عملية امتصاص متوازية و مستمرة  من المعارضة الداخلية والخارجية وأقلامها  المأجورة  تحاول أن تعوق الجهد  وتشغله عن عملية البناء الإيجابي وأن تجعل ذلك فاصلا يعوق امتداد  الارض !
وبإختصار شديد .. كان الحل – الذي  أرتآه ولد عبد العزيز  – وهو مغادرا-لمعالجة عملية ‘ الإمتصاص’ هذه..و الأخطاء فى الممارسات السياسية التى ليست في الواقع أخطاؤه .. إنما أخطاء البنية السياسية والمجتمع القائم اللذين ورثهما عن العهود السابقة وتحمل تبعاتها ..  – هو إعادة بناء إنجازات العشرية من القمة إلى القاعدة وحماية مكتسباتها بالإضافة الى معالجة مالم يستطع انجازه .. وهكذا رأي أن العمل هو المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية وأنه لا بد من تحصين التعليم والصحة و القضاء وسيادة القانون والحيلولة دون إنفراد البعض فى أجهزة الحكم والدولة ومؤسسات المجتمع  .. وقد دأب ولد عبد العزيز ربما عن غير قصد على تجريدها من مضمونها حتى تم  هدمها ..!!
ولعل هذا الدرس الذي فهمه ولد عبد العزيز والذي ظل ناقصا من إنجازاته .. أنه لايمكن إنجازه فى الوقت الحالى و وسط هذه الأمواج المتلاطمة دون إيجاد المركب الصحيح لديمقراطية الشعب وتقدمه الاجتماعي !
من هذا الأساس وقع إختياره على  ولد الغزواني و هو رفيق دربه..حيث جمعتهما الدراسة وجمعهما التكوين العسكري، وظلت صداقتهما قائمة وقوية إلى أن وجدا عام 2005 فرصتهما للظهور فقلبا نظام الرئيس الأسبق ولد الطائع  وتحكما في  كل الفترات وظل ولد  الغزواني الساعد الأيمن .. طيلة السنوات العشر الماضية، إلى أن انتهت مأمورية ولد عبد العزيز  الرئاسية الثانية والأخيرة …..
وهكذا كان الاختيار فى محله لأنه سيوفر لهما مزيدا من السنوات الطويلة فى التحكم فى موريتانيا و حيث أنه شخص هادئ و تتوفر لديه كاريزما القيادة ويتمتع بسمعة جيدة .. كان ذلك أيضا طريقا سالكا الى قلوب الجميع  .. وبهذا  يكون ولد عبد العزيز قابلا  أن يتحول إلى «زعيم»، بعد أن ينتهي دوره كرئيس، وأن يظل يدير المشهد السياسي من وراء ستار !
وهكذا  يظل كعب آخيل راسخا ونقطة الضعف فى رأس شمشون متجذرة فى عمق الأعماق .. وكان إخفاق مبدأ التنظيم الواحد عند المعارضة فشلا ذريعا .. صبها العساكر  كلعنة سحرية على الفكرة السامية والإكتشاف العبقري !

بقلم :  القاظى مولاي احمد

رابط مختصر