انواذيبو: الأترجة التي حنظـلتها السلطات*

8٬570 views مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 16 أبريل 2019 - 4:47 مساءً
انواذيبو: الأترجة التي حنظـلتها السلطات*

يمكن اعتبار هذا المقال محضر معـاينة لأني سأنقـل فيه للقارئ ما رأيت ولاحظت في نظرة مقارنة بين ماضي وحاضر مدينة انواذيبو التي عرفت منذ نعومة أظافـري إذ نشأت بها وتلقيت تعليمي الإبتدائي والثانوي في مدارسها ولولا طلب الدراسة العليا لما غادرتها في منتصف ثمانينات القرن المنصرم، قبل أن أعود إليها في تسعيناته حيث بدأت، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، في ممارسة نشاط مهني حر خولني متابعة أوضاع المنطقة على مدى ربع قـرن.

ولأني أحسب التعهد للموطن والدفاع عـنه واجبا شخصيا والتزاما وطنيا فسأكتب عن المدينة ومظالم أحيائها (من إنسان وحيوان). وسأبين في هذه المعالجة كيف كانت مدينة نواذيبو بلدة طيبة قبل أن تحنظلها وتفسد مناخاتها السياسات التي انتهجت في العقود الأخيرة والتي دفعت بعض الساكنة الحية، بمختلف مكوناتها، للنزوح بينما لا يزال البعض مرابطا في تخوم المدينة الساحلية متحملا الأذى كالغـزال الذي يصبر على جدب موطنه في انتظار نضارة قد لا تتكرر.

1.

كانت مدينة نواذيبو بمناخها المعتدل ونسيمها العليل أترجة طيبة الطعم والرائحة فهي تقع في نقطة فريدة بين البر والبحر يسرت التواصل بين مختلف الأحياء فمنذ القدم كانت تخوم انواذيبو سكنا للكائنات البرية والبحرية التي وجدت في شواطئ المدينة حرما آمنا ورزقا رغدا حتى قبل أن ينجذب إليها الإنسان الذي كان يتعايش مع الكائنات الأخرى بسلام قبل أن يتصاعد تعسفه مؤخرا.

كنت يافعا في كانصادو، سبعينات القرن العشرين حيث اعتدت أن أسمع، كل مساء، زئير الأسود ينبعث من حديقة الحيوان.. وربما تناهى إلى سمعي عواء بنات آوى التي اعتادت انتهاز فرصة العتمة لتتسلل إلى الشاطئ طلبا للقوت.. وعندما يسفر الصباح وأسلك طريق المدرسة كنت أرى المها والغزلان تسرح خلف سياج يمتد بمحاذاة الشارع الأوحد.. وقد عاينت بداخل حديقة (النيكو) الكثير من أصناف الكائنات الحية من كواسر وقوارض وزواحف وأسماك وغيرها… لم نكن ورفاقي نستخدم وسائل الرمي المطاطية (آمبكات) التي يغير بها الأطفال الشريرون على ذوات الأجنحة مما أتاح لنا أن نتأمل عن قرب محافل طيور النورس وهي ترابط حول الحي وتقف على الأرض وتمسك أجنحتها ما وسعها ذلك.. وفي البحر كان من المعتاد أن أشاهد أسرابا كثيرة من يرقات السمك تموج في المروج الخضراء التي تغطي أغلب الشاطئ.. وظللت حتى تسعينات القرن العشرين أرى الدلافين تلعب مرحة كالزوارق السريعة وتقفز فوق صفحة الماء كما شاهدت عجول البحر الرهبان تخرج رؤوسها من اليم لإمداد رئاتها بالهواء.. ولا غرو أن تلد الثدييات البحرية على اليابسة وأن تلتقط مواليدها أثداء أمهاتها وربما تقاطر لبنها النادر على صخور الرأس الأبيض الذي بدأ يتخضب بفعل ذرات الحديد التي تذروها الرياح من الميناء المعدني القريب.. وكان من المألوف عندي عندما أرجع بصري إلى السماء أن أرى مسيرات الطيور وأسرابها البديعة المنطلقة في نظام كل مساء لحضور المهرجانات التي اختارت ذوات الأجنحة أن تلتئم خلالها في حرم آرغين.

وكانت تحف حي كانصادو من جهة الشمال غابة ملاصقة للشارع الملتف شمال الحي ومن خلفها حديقة برية تنبت بعض الفواكه أما من خلف خليج السلوقي (Baie du Levrier) وفي اتجاه قبلة المدينة القديمة إلى الجانب الشرقي من شبه الجزيرة فكان ثمة كثيب رائع معـروف بتسمية (البونتيه) كنا نتزحلق عليه وكان يمتد كرئة صفـراء فاقع لونها كأنما تمد الساكنة الحية البرية والبحرية بالأكسجين والهواء الطلق الذي يغشى سفح الكثيب وينحدر منه إلى المحيط دون أن تكدره شائبة.

لم يكن في هواء مدينة نواذيبو ما يعكر الصفـو ولذلك كان سالكو الطريق الرابط بين المدينة وحي كانصادو يتأففون عندما يمرون بمحاذاة حائط شركة IMAPEC ومن اليسير عليهم حبس أنفاسهم في انتظار أن تجتاز مركباتهم المنطقة النتنة الوحيدة التي لا يعدو نطاقها عدة أمتار.

2.

توطدت العلاقة بين سكان الشاطئ ورحم الإنسان الحيوان لدرجة أن بعـض الأساطير المحلية تحكي عن رجال صادفـوا عرائس بحرية “اعزب لبحر” على الشاطئ فاستحلوها وأنجبوا منها أبناء يمتون للحوريات البحرية بصلة نسب.. وفي الواقع كانت الدلافين شريكا تقليديا لبني آدم لدأبها على إنقاذ الغرقى كما أشار إليه الشيخ محمد المامي ولد البخاري، رحمه الله، في قصيدة الدلفينية، منذ أكثر من قرنين، عندما قال:

العلم بحر لغـوص الماهــرين به *** تلفي اليـواقـيـت فـيـــه والمـراجـيـن

لكــنــه غـــيـــر مأمــــون تمــاسـحــه *** وليس في كل موج منه دلـفـيـن

وقد نجح مجتمع إيمراغــن في توطيد العلاقة مع بعض الكائنات البحرية إلى درجة التعاون في عملية الإصطياد فما إن تشعـر دلافين حوض آرغين ب”آمريك” يضرب صفحة المحيط بجذعه حتى تبدأ عملية مطاردة الأسماك من الأعماق لتحاصرها عند الشاطئ الذي يرابط عنده الصياديون فتمتلئ الشباك بينما تسد الدلافين رمقها في تعاون رائع صورته كاميرا المستكشف الفرنسي كوستو Commandant Cousteau في لقطات تعود لسنة 1969.

وحديثا ومع نهاية الألفية المنقضية صادف أحد ساكنة انواذيبو عجلا بحريا وليدا تائها على الشاطئ فرق لحاله وحمله على كاهله ورغم ثقل الوليد الذي يزن عشرات الكيلوغرامات إلا أن الرجل تجشم عناء نقله مسافة عدة أميال إلى انواذيبو حتى أوصله لمركز بحوث والمحيطات والصيد الذي أبلغ مركز Pieterburren الهولندي المتخصص في إغاثة الفصيلة فتحرك متطوعون هولنديون بسرعة، لم يجدوا رحلة سريعة إلى انواذيبو فاستأجروا طائرة خاصة لنقل طاقم إسعاف تعاون مع الباحثين الموريتانيين على العناية بالرضيع الذي زرته في أحضانهم وأحواض CNROP حيث ظل ينمو حتى جاوز الفطام فأخلي سبيله في البيئة التي يتواجد فيها العشرات من جنسه المهدد بالإنقراض.

ولم يكن الآدمي مهملا فقد كانت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم توفر مختلف المواد الغذائية الجيدة بأسعار مقبولة في متجرها (l’économat) وتسخر المياه والكهرباء مجانا ودون تحديد سقف استهلاك كما كانت عيادتها المجمعة تقدم العلاج الفعال وتجري العمليات الجراحية حتى لمن لا يمتون لعمال الشركة بصلة أما نفايات الشركة من مواد معدنية وخشبية وكرتونية فكانت توزع بالمجان أو توضع في مكبات مهملة ولذلك استخدمها محدودو الدخل في بناء مساكن كانت تؤوي الكثير من ساكنة المدينة التي كان بعضها يستخدم باصات الشركة للتنقل مجانا بين أحياء المدينة.. وكان من المتاح لسكان المدينة الراغبين الحصول على كراس بحري (Livret Maritime) يخول حامله أن يكون بحارا ويحصل على راتب مجز ينفق منه على ذويه ويفيض له ما يشتري دراريع “المظلع” الغالية والحمر من النعال ولم يكن المجهزون يلزمون البحارة بالسفر على متن السفن.. أما النسوة اللائي لا معيل لهن فكان يكفي الواحدة منهن أن تتنقل إلى شاطئ “شاركا: المشرحة” حيث تتوفر الأسماك بوفرة كل مساء، الجيد بمقابل زهيد والأقل جودة بالمجان، وهكذا يجد الأيتام وأبناء العاطلين ما يكفي من غذاء صحي في بيئة نظيفة.. كان الغذاء مشاعا ولم يكن فيه كبير تفاوت بين الفقراء والأغنياء وغيرهم من الكائنات الحية التي لا تعرف التفاوت في الثروة.

3.

أما اليوم فقد تغير الوضع بعد أن تغلبت النفس الأمارة على الإنسان واهتزت الثقة بينه وبين مختلف الأصناف الحية ولذلك اختل التوازن البيئي مما أثر سلبا على ظروف المنطقة.. أضحت حديقة حيوان كانصادو يبابا لا حياة فيه بعد أن تنازلت SNIM عن رعاية الحيوانات وما لبثنا حتى تراجعت الخدمات الإجتماعية التي كانت الشركة تسدي للآدميين لدرجة أنها تخلت عن المخزن وأصبحت تبيع نفاياتها وتمنع التنقل في باصاتها على غير العاملين الذين يشكون.. وابتعدت بنات آوى عن شاطئ القلعة الزرقاء (Tour Bleue) وأقلعت محافل النورس وغيرت أسراب الطيور المنتظمة مسار رحلتها وربما هجر بعض عجول البحر ملاجئه الدافئة بين صخور الرأس الأبيض ولئن تعايشت مع غبار الحديد فليس من البديهي أن تتحمل الرائحة الكريهة.. وأخيرا لحق الضرر الإنسان فأصبحنا نتنفس بصعوبة بعد أن استؤصلت رئة المدينة وجرفت الشاحنات تربتها على مرأى من السلطات التي رخصت مكان الكثيب لإقامة عشرات المصانع التي يتصاعد منها دخان نتن والتي يتداول أنها حلت هنا بعد أن طردها السابقون إلى إدراك مخاطرها.. أضحت وحدات صناعة دقيق السمك البغيضة عند ساكنة المدينة ضررا على الصحة العامة لأن الروائح الكريهة المنبعثة من مداخنها تلوث كافة أنحاء شبه الجزيرة وربما لوثت مياه صرفها أعماق البحر في خليج السلوقي ويتعين التحقيق الجدي في مدى تأسيس ما تذكره بعض التقارير من كون إفرازات هذه الوحدات مسرطنة.. منذ فترة لم نعد نسمع عن إنقاذ عجول بحرية بينما نشر خبر العثور على آحاد ميتة على الشاطئ ربما أودى بها الإختناق.. لست علميا ولكن من المنطقي عندي أن يكون تأثر عجول البحر بتلوث الهواء أكبر لأنها تحبس الهواء في رئتها لمدة عشرين دقيقة قبل أن تشهق ثانية ولأنها لا تجد مستشفيات توفر الأكسجين في حالات الإختناق فكل ما بوسعها عندما يضيق صدرها أن تصعد إلى سطح البحر لتسحب الهواء ثانية وكأنها أصبحت تدخن اضطرارا.. وعلاوة على الضرر البيئي لوحدات “موكا” يؤخذ عليها استنزاف الثروة لأن مطاحنها تعالج خمسة أطنان من السمك لإنتاج طن واحد من الدقيق أو الزيت المعد لتغذية الآخرين ودواجنهم أما الكيلوغـرامات الأربعة المتبقية فتعدمها المصانع وتنفثها عادماتها دخانا في سماء المدينة بينما تصرف أغلب مياهها في المحيط إضرارا بالبيئة.. وكان حي كانصادو، الذي ذكرت توازنه البيئي النموذجي، من أكثر مناطق المدينة تضررا بفعل دوام هبوب الرياح من الشمال في اتجاه الجنوب ولو كانت حديقة الحيوان لا تزال عامرة لتضررت ساكنتها كما تضرر الأهالي الذين احتجوا في نوفمبر المنصرم (2016) ويستعدون للإحتجاج غدا (12 يناير 2017) بعد أن مسهم الضر ولم يعودوا يتنفسون الهواء الطلق وذكروا أن منهم من احتاج لتلقي العلاج خارج البلد.. “لولا الدخان والرائحة الكريهة لعاش ابن آدم ألف سنة”.

4.

وأخيرا أعلن انطلاق المنطقة الحرة في انواذيبو مع مطلع سنة 2013 التي يجمع السكان بعد قرابة أربع سنوات على انطلاقتها على أنها لم تستقطب المستثمرين ولم تنعكس إيجابا على ساكنة المنطقة الذين تردت ظروفهم الإقتصادية في ظلها.. ربما لفتت انتباه بعض الخبراء الباحثين عن فرص عمل كما هــو حال وفد منطقة العقبة الحرة الأردني الذي زار المنطقة للنظر في تقديم تكوينات أبدى الصندوق الإسلامي للتنمية المرافق الإستعداد المبدئي لتمويلها.. أما الإستشارات والدراسات فقد قررت السلطات أن يكون جلها من نصيب مكتبين فرنسيين هما مكتب المحاماة Gide Loyrette Nouel الذي كلف من طرف الحكومة بإعداد مشروع قانون إنشاء المنطقة الحرة في انواذيبو (والذي تجسد فيما بعد في القانون رقم 001-2013) ومكتب الدراسات egis الذي أعد خطة العمل الرئيسية (Schéma Directeur Opérationnel) ومخططا تنمويا متعدد السنوات (Plan de Développement Pluriannuel) يستعذب البعض تركيبهما الأجنبي لدرجة الإعتقاد بأن مختصري SDO و PDP يحملان بركة سترفع من شأن المنطقة بحيث تفيض خيراتهما على البلاد والعباد.. أما محامو المنطقة وخبراؤها فلم تعبأ بهم المنطقة الحرة ولم تجلب استثمارات صناعية أو تجارية ذات مردودية على المحليين عموما ولم يسجل منذ إعلانها انطلاق مشاريع تنموية حقيقية فالطرق التي تم تعبيدها وإنارة بعضها لا تعد في حساب نجاحات المناطق الحرة لأن مثل هذه الأشغال العامة ينجز في مناطق غير حرة مطلقا كما هو حال العاصمة انواكشوط.. صحيح أن أسعار القطع الأرضية ارتفعت في انواذيبو كما ترتفع أسهم البرص بفعل الشائعات ودبت حركة تشييد أدت لارتفاع عمارات من عدة طوابق لم تكن موجودة في المدينة وهـو ما ينذر بفقاعة عقارية بدأت بوادرها لأن أغلب المباني المشيدة لم تجد من يعمرها ومدينة انواذيبو لا تجتذب الزوار إلا في الصيف وأغلب روادها مواطنون محدودو الدخل.

شخصيا لم يفاجئني فشل المنطقة الحرة الذي توقعته وحذرت منه في مقال، نشر في يناير 2013، تحت عنوان: “كي لا يتم إجهاض المنطقة الحرة في انواذيبو” نقلته إلى اللغة الفرنسية، في فبراير 2013، تحت عنوان: (La Zone Franche : Option NOUADHIBOU LAND).

ولعل من المآخذ على المنطقة الحرة نقلها لأسواق الأنعام ولمسلخة المدينة إلى مدخلها حيث أصبح جميع الداخلين والخارجين برا يرون منظرا غير لائق إن لم يهجم عليهم الذباب وتداهمهم الرائحة.. قبل هذا كان في المدينة سوق غنم وآخر للإبل ومسلخة إلا أنها كانت متفرقة ومتواجدة في جيوب يصلها المنتفعون إلا أنها مستورة عن السواد الأعظم من الأجانب..

إن الغرباء عندما يرون حقلا من الحنظل يحسبونه فاكهة ولكن القريبين من منابته يدركون أنه لا يسمن ولا يغني من جوع ولذلك ينسبونه للحمر الأهلية “احدج لحمار”.

*محمد سيدي عبد الرحمن ابراهيم*

رابط مختصر