رسالة إلى العلامة احمد بن هارون بن الشيخ سيدي عنوانها : أسئلة عن العلامة محمد الخضر المكي

331 views مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 22 نوفمبر 2017 - 1:06 مساءً
رسالة إلى العلامة احمد بن  هارون بن الشيخ سيدي عنوانها : أسئلة عن العلامة محمد الخضر المكي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين  العليم الكريم  رب السموات السبع ورب  العرش العظيم القائل جل من

.          قائل  ” فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ”   

و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، الرحمة المهداة،

نبي  الحكم و الحكمة السراج الوهاج،  المخصوص بالخلق العظيم، و ختم الرسل ذو المعراج، سيدنا محمد ابن عبد الله وعلى  آله وأصحابه وأتباعه السالكين على  منهجه القويم، فأعظم اللهم به منهاج، نجوم الإسلام، ومصابيح الظلام، المهتدى بهم في ظلمة ليل الشك الداج، صلاة دائمة ما تلاطمت في الأبحر الأمواج.

.

إلى  العالم العلامة المحقق الفهامة المؤرخ احمد ولد هارون، راوية الأدب وخزانة الفصاحة، وبنك اللغة والبيان، ومحرك بحث التاريخ وصاقله من الشوائب والأدران، من وهبه العلي أسلوبا أخاذا، ترك القلوب جذاذا، صاحب المنطق القوي، والثقافة العميقة الواسعة.

أحييك وجميع الأهل الأسياد الخلفاء، معدن النقاء والصفاء.

تقبل الله  صيامنا وصيامكم وقيامنا وقيامكم وضاعف لنا ولكم الأجر، وجعلني وإياكم من عتقاء هذا الشهر الكريم.

أحببت أن أسـألـكم إذا سـمـحـتم عن بعـض أخبــار العـلامـة محـمـد الخــضر ولد حبـيــب ولد المـكـي(1280 – 1346).

وأن تجيبوني بدون مجاملات فالتاريخ غالبا ما يضيع بين العواطف والمجاملات.

فحسب ما لدينا من معلومـات قد تصلح لحكايات تأسيس، أنه كان ورعـا ثبتا وعالما موسوعيا .

وقد قال المؤرخ العلامة هارون ولد الشيخ سيديا في كتاب الأ خبار “أنه أحد فطاحلة علماء هذه الأرض” وقد أشاد وأسهب في تبحره وغزارة علمه،

وقد روى الثقات أن محمد الخضر  حفظ القرءان الكريم والفية ابن مالك على والديه قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، مثل أغلب أقرانه من أهل المـكي، المعروفين بالعلم والسيادة والانفتاح على الآ خر.

ثم أخذه والده إلى الشيخ الجليل أبو البركات سراج الحق، خاتمة المبرزين العالم في كل فن من العلوم، فاقد النظير سعد السعود، ومقيم الحدود، الطود الشامخ احمد يعقوب ولد ابن عمر، ليدرس عليه وأجاز العلامة اليعبوب، الشيخ احمدو يعقوب محمد الخضر في مقروءاته ومسموعاته مثل قراءة الإمام نافع والضبط والجامع الصغير، وعمدة الأحكام،  ومختصر أبي المودة  وحاشية الدرديري عليه، ومختصر ابن الحاجب، ودرس عليه المقصور والممدود، واضاءة الابنوس  والعاصمية والمنطق والمراقي والفية العراقي.

وجد محمد الخضر  واجتهد حتى فاق أقرانه وربما كان له أكثر من لوح في آن واحد حتى تصدر للتدريس في محظرة الشيخ وهو حديث السن .

ودرس محمد الخضر على الشيخ احمد يعقوب أزيد من عشر سنين حتى توفي الشيخ احمد يعقوب سنة1303.

وفيه يقول محمد الخضر:

كنت فيها عصرة الفل      ولأنت أهل العقد والحل

ثم درس بعد ذلك على الكثير من العلماء الأجلاء وهو ما يظهر جليا من غزارة علمه وتعدد مشاربه.

مثل الفقيه الفروعي الأصولي، واللغوي النحوي الموسوعي،  العلامة حبيب ولد الزايد التندغي(المتوفى  1360 ) الذي درس عليه وتداول معه كثيرا.

ثم ذهب بعد ذلك إلى الفقيه الأصولي النحوي، والمحدث المفسر اللغوي، مبرز عصره، وأعجوبة دهره: العـلامة  الألمعي ، محمد عالى بن ساعيد الملقب مـعي، (الاشفغي ت 1310) ،  وانكب محمد الخضر يدرس عليه العديد من الكتب  والنصوص مثل الجامع  بين التسهيل  والخلاصة والحرون وغيره، ودرس عليه محمد الخضر دراسة تدقيق وتحقيق، عدة سنوات في محظرة أهل سعيد الاشفغي العليا الشاملة، حتى أجازه العلامة محمد عالي بن سعيد وتخرج على يده، وحياه محمد الخضر بعدة قطع لامعة.

ثم درس بعد ذلك على اللغوي المحقق، والنحوي المدقق، العلامة المتفنن المتفوق الحسن بن زين بن سيد اسليمان  الگناني(ت 1315 هـ ) .

ثم ذهب بعد ذلك إلى العلامة النحرير، والجهبذ  الشهير، المشرب الروي، ونزهة الأفكار، صاحب اليد الطولى في كل فن من العلوم،  عبد القادر ولد  محمد سالم المجلسي (ت 1337) ودرس عليه محمد الخضر وكانت له علاقات وطيدة مع أساطين  ذلك الصرح العلمي العملاق، وهنأ محمد الخضر مدرستهم،   وبارك مجهودهم بقطع شعرية رقيقة، وقد أعاره بعضهم اللوامع وغيره من الدرر، وذلك لما يتميزون به دائما من دماثة الشيم، وتشجيع لطلاب العلم، وما يتميز به محمد الخضر  من أخلاق عطرة وجدية في طلب العلم .

ثم درس بعد ذلك  على شيخه  صدر الفقهاء  وإمام  العلماء،  ابن القضاة المتبحرين النجباء، سادة الأرضْ، الذين صانوا الدين والعرض، العلامة الحجة محمد مولود ولد احمد فال الموسوي (ت 1323) ذي الأغوار البعيدة والتآ ليف الفريدة التي هي كفاف من العلم، ومطهرة للقلوب،  وكان محمد الخضر يدرس على العلامة محمد مولود ولد احمد فال ليلا ونهارا فترة طويـلة.

يقول محمد الخضر  في لافتة بليغة:

إن لم يكن محمد مولود       ولي صدق فالولي مفقود

ثم ذهب بعد ذلك إلى عالم الأولياء، وولي العلماء، الغوث  العلامة شيخ الإسلام والمسلمين قاطبة  الشيخ احمد بمبا البكي بن حبيب (المتوفي 1345) ودرس عليه ومكث عنده،

وفيه يقول محمد الخضر في جدارية بديعة :

ولما لقيت الشيخ احمد ضحوة      نفضت يميني من غبار المشايخ

ثم أتى الأستاذ  المدرك لدقائق اللغة والفقه، العلامة السالك ولد احمد بيبا بن عثمان العلوي، سلالة الجهابذة العلماء الراسخين،  وقاضي القضاة، حاملي لواء العلم، ذوي هجان الفكر ونجائب الفهم، ودرس عليه وأعاره بعض الكتب من مكتبته العبلة الضخمة.

ثم ذهب بعد ذلك إلى ذي التلميت لمزار الشيخ، ولقي شيخ الأعلام، من قاد العلماء وهو غلام، حلية الدين، ومرشد المقلدين والمجتهدين، المجتهد البحر المحيط ، المحدث ذو الركن الشديد، العلامة الزاخر المتفنن الشيخ سيديا باب ابن الولي العلامة الشيخ سيد محمد ابن الولي العلامة الشيخ سيديا الكبير.  ودرس عليه محمد الخضر، وتدارس معه، وكانت بينهما علاقات متميزة.

وقد سأل الشيخ سيديا باب مرة الشيخ محمد الخضر ما هو فنك فقال الخضر “أمبدد”  “امبدد”  أي ضليع  بجميع  العلوم ، فكان الشيخ سيديا با ب  يلقبه المجتهد و”لمبدد”.

ويقول الشيخ سيديا باب “كنا نقول خير العلم ما حوضر به، واليوم أيقنا أن خير العلم ما خوضر به”، يقصد  محمد الخضر.

ومع أن محمد الخضر كان ذا فكر متنور، وصاحب منهج وسطي معتدل، إلا أنه كان شديدا على أهل البدع  والأهواء، فكان سنيا قويا، لا يقبل إلا ما يؤديه إليه بحثه ويمليه عليه علمه؛

ولذلك حدث بينه وبين بعض العلماء الأشياخ، مراء حاد ومساجلات مشهودة، حيث أفحمهم وأعاد نظرهم،  فقال الشيخ سيديا باب يحيي محمد الخضر:

كن للإلــه ناصـرا    وأنـــكر الـمــــناكـرا

إلى أن يقول:

وإن دعـا مجــادل       في أمرهم إلى مرا

فلاتــمـار فيـــهم     إلا مـراءا ظــــاهـرا

فهل صحيح فعلا أن الشيخ سيديا باب قال تلك الأبيات (التي ستصبح لاحقا نشيدنا الوطني) محييا محمد الخضر؟

وهل صحيح أن محمد الخضر لم يكن يرى مساكنة المستعمر الفرنسي متأثرا ببعض أشياخة السابقين ؟

وقد بعث الشيخ سيديا باب ابنه العلامة احمد مع محمد الخضر ليدرس عليه ويذهب معه إلى مكتبة أهل الشيخ سيديا، التي هي دائرة معارف كبرى قل نظيرها يقول العلامة باب ولد احمد بيب العلوي مخاطبا الشيخ سيديا:

أتيت بكتب يعجز العيس حملها     وعندك علم لا تحيط  به الكتب

فكان الخضر يعلق على تلك الكتب والمخطوطات في الحواشي في مكتبة أهل الشيخ سيديا فهل صحيح أن الكثير من الطـرر والتعليقات التي على تلك المخطوطات هي تعليقات محمد الخضر؟

وقدم الشيخ سيديا باب بعض كتبه للشيخ محمد الخضر فقرظها له، مثل كتاب الشيخ سيديا باب على الضاد الذي قرظه محمد الخضر تقريظا بديعا بقوله:

أيا طالبا للضــــــاد كنــه  بيانــــها                 تريد على التـحقيق كشـف صُـوانها

تـلـطــف  لبحر  زاخـر  متـفنــــن                   جهينة  كل  العلم  تظــفر   بشـانها

وتلق فصول الدهر سعــدك عنده                   فلم تاتـه   الوراد فـي    دبــــرانها

وإلا تجده فانظر الكتــب منصــفا                   ترى أنها كالظـــاء وفق    وزانـها

ولا فرق إلا في المخارج واستطا                 لة الظاء دون الضـاد مزها وعانها

وقيل مصيــب من قراها مشـــالة                   ولو لم يؤده  نطقــها من    مكانها

وحاصل أمر الضاد و الظاء قولة                  قد يمة عهــد بـــــاد أهـل زمــا نها

وإلا يكنــها أو تكنــه     فإنــــه                    أخـــوها  غذته  أمــــــه   بلبــانها

وللشيخ محمد الخضر تآ ليف عديدة مثل كتاب التشريع وكتاب المفاد في أربعة مجلدات ضخمة  وبعض الرسائل العلمية في العقيدة  والفقه  والمنطق.

وقد لقي كتاب مفاد الطول والقصر للشيخ محمد الخضر على نظم المختصر  للبحر الطامي العلامة الشيخ محمد المامي،  قبولا عجيبا  وسد فراغا قائما، وذلك لجمال استدراكاته وتصويباته،  ودقة تسديداته وتصويباته التي تصيب الهدف وتحز المفصل،  آتيا بالمقصود  وما فوق  المرام، من وظيفة الشارح الحقيقية: وهي أي يبين ويقارن ويصوب، وأن   يرتب ويهذب، ويضبط ما احتاج إلى الضبط، ويعرب ماحتاج إلى الإعراب، ولا يحمله التقليد على قبول ما ليس بمقبول ولا الغرض على انتقاد  ما ليس بمنتقد.

وإن تكن تغلب الغلباء  عنصــرها      فٌإن في الخمـر معنـى ليس في العنب

والحقيقة أن كتاب المفاد كتاب موسوعي  مختصر سلط الضوء على العديد من  النوازل والمسائل بطرح متفتح وفكر تجديدي، معتبرا المقاصد الشرعية الحاجيات والضروريات ورفع الحرج وغيره، إضافة إلى العزو الدقيق، وقد كان  يعزو لأكثر من عشرين عالما أوكتابا في صفحة واحدة، مع ما يتميز به من تناغم الألفاظ وحلاوة الأسلوب .كما قال فيه:

” قد رتب وأبدع وأبان واختصر، وتمم وجمع وأصلح و اقتصر …  ينشط لعباراته السامع  وتطرب له القلوب والمسامع، نشر التحقيق   يعبق بردائه، وبدر التدقيق يشرق  بسمائه   ”

وقد قرظ كتاب المفاد  عشــرات من أعيـــــــان العلمــــــاء، يقول العلامة محمـــــد فال ولد محمذن ولد احمـــد العاقل الديماني:

لله جمع صحيح غير منكسر       للحجة العمدة الموسوم بالخضر

جم المعاني حلو اللفظ موجزه    أربى على كل ذي بسط ومختصر

لا زال تهديه با داة لحاضرة       ويستضاء به في البدو والحضر

وعاش جامعه قرنا بتكرمة        ونال ما يرتجي من منتهى الوطر

وقال العلامة حبيــب ولد الزايد التــنــدغي الأ گـد بجي  في تـقـريـظه:

لما نظرت  مفاد الطول والقصر     شـرح الفتى البارع المعروف بالخـضر

رأيت مــــا لم تكـن عيــن رأته       ولم تسمعه أذن ولم يخـطـر على بشر

لم يحو بسط أخي فيض فوائده       كـلا لعمـري و لا إيــجـاز مخــــتصـر

وكثيرا ما كان العلمـــاء يرجعون لكتاب المـفاد ويعزون له

يقول العـلامة المصطفى ولد محمد عبد الله ولد تكرور المـوسوي:

لا يقطع الهـائم في البـوادي        سفره وذاك في المفاد

عزاه للمعيار ذو الفضائل         وغيره من كتب النوازل

ويقول العلامة محمد الأمين ولد أبي المعالي اليعقوبي الخوالي:

كأن شـرح الخضـر المرجوع     إليه أطعـم الورى من جــوع

وحسب ما استخلصت مما قال لي العلامة الولي احمد يعقـوب ولد محمد الخضر: أن محمد الخضر مع ما كان يتميز به من النجابة وقوة الضبط، إلا أنه كان رحالة في طلب العلم، كلف بطلبه، مثابر على تحصيله جواب أرض في أثره، يجل أهل العلم ويخدمهم، يهديهم ما ملكت يمينه ويدعو لهم،   في زمان الوصل العلمي، وأنه أمضى أزيد من خـمســين سنة في طـلب العـلـم حتى توفي سنة 1346هـ ودفن رحمـه الله قرب حاس محمد الخضر غرب تگنت.

أعتذر إليكم من الأخطاء والإطالة.

إسألوا الله لي العافية في الدنيا والآخرة.

كتبه   احـمد بابا ولد العـالم

 

 

رابط مختصر