أخيرا.. ولد قانون الإشهار

426 views مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 27 أكتوبر 2017 - 8:02 صباحًا
أخيرا.. ولد قانون الإشهار

وافقت الحكومة الموريتانية خلال اجتماعها يوم الخميس 26 أكتوبر 2017 على قانون جديد ينظم الإشهار على عموم تراب الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

يلبي القانون الجديد مطلب الفاعلين الإشهاريين من معلنين ووكالات إشهار ووسطاء ووسائل إعلام وجمهور متفاعل مع الرسائل الإشهارية.

ولأهمية الموضوع وتداخل حيثياته الموضوعية والذاتية بالنسبة لي على الأقل سأتناوله من زاوتين:

– زاوية موضوعية تعرف بالقانون الجديد

– زاوية ذاتية أخصصها لمفارقات إعداد القانون ومساره الطويل وميلاده القيصري.

من زاوية قانون الإشهار الجديد

يتكون القانون من 245 مادة موزعة على 9 أبواب يضم كل منها مجموعة من الفصول ويكرس مبادئ أساسية من أهمها:

– حرية ممارسة النشاطات الإشهارية على عموم تراب الجمهورية الإسلامية الموريتانية وفق أحكام قانون الإشهار وطبقا للتشريعات والنظم المعمول بها.

– ينهي القانون أي احتكار للإشهار أيا كان مصدره وأيا كنت مسوغاته ويضع آليات تشاركية ممكنة من الولوج إلى الخدمات الإشهارية بصورة شفافة.

– يضع القانون إطارا تنظيميا لكل النشطات الإشهارية، يصون حقوق الفاعلين المختلفين من معلنين ووسطاء ووكالات إشهار ووسائل بث ونشر وعرض مختلفة ويحدد واجباتهم المهنية والأخلاقية، ويضع معالم واضحة لأشكال ومضامين الرسائل الإشهارية ويتعاطى مع آثارها وقائيا وعلاجيا.

– يولي القانون عناية مبررة لإنعاش الاقتصاد الوطني وحماية المستهلك ويكرس حق المواطن في معرفة حقيقة المنتجات والخدمات والأفكار المروج لها من خلال الجمع بين مقاربة الإشهار الإعلامي المتسم بالنفع العام والإشهار الترويجي الذي يحترم الثوابت والقيم وينسجم مع الأنماط الاستهلاكية السائدة ويخدم النهج الاقتصادي المتبع.

– يعنى بترسيم معالم الحدود الاصطلاحية بين الدعاية والدعوة والإشهار بصورة واضحة.

– يعطي القانون بعدا حقيقيا لحماية حقوق الإنسان وخصوصياته الأساسية ويمنع أي استخدام لصور نمطية تخدش الكرامة الإنسانية.

– يوفر مصادر شفافة لتعبئة موارد مالية لأقطاب الإعلام العمومي والخصوصي والجمعوي ويوفر مصادر دخل للمجموعات الإقليمية على عموم التراب الوطني، وينشئ آليات تشاركية لتسيير تلك الموارد كي تسهم في تطوير المنتج الإعلامي الإشهاري الوطني وتجعله في مستوى ما تفرضه العولمة التجارية والإعلامية من تنافس.

– يشكل قانون الإشهار إلى جانب قانون حرية الصحافة والنشر وقانون تحرير الفضاء السمعي البصري ثالثة أثافي منظومة الحريات الإعلامية في موريتانيا ويفتح آفاقا جديدة لإعلام مواطنة جديد تلبى خدماته تطلعات وحاجيات الجمهور الموريتاني الجانح دوما للرقي والتطور.

من زاوية مفارقات إعداد القانون ومساره الطويل

بدأ موضوع الإشهار ذات صباح من شهر أكتوبر 1998 بمكتب المرحوم الرشيد ولد صالح وبحضور الزملاء المحروم حمود ولد حادي الأمين العام وقتها للوزارة ومحمد سالم ولد بوك مدير السمعيات البصرية في ذلك الحين، وبعد مرافعة مهنية مبررة وجيدة مقدمة من طرف المرحوم حمود ولد حادي ابتسم معالي الوزير الرشيد ولد صالح وقال “فهمت أن موضوع الإشهار مهم لأن الأستاذ حمود لا يسرف عادة في الكلام وأفكاره عملية ومقنعة” وصدر توجيه بإعداد دراسة حول واقع الإشهار وآفاق تطويره وقد أعدت تلك الدراسة بالفعل من طرف فريق عمل ضم الأستاذ الزميل الشيخ ولد بوعسرية وقدرت تلك الدراسة سوق الإشهار في ذلك الوقت بـ 600 مليون أوقية سنويا، وتتويجا لتلك الدراسة حمل المرحوم الرشيد ولد صالح الخلاصات إلى فخامة الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع وعاد بتوجيه حاسم بالشروع في صياغة قانون الإشهار شكل له فريق موسع ضم المرحوم محمد الأمين ولد سيد حامد ومحمد سالم ولد بوك والشيخ ولد بوعسرية وكنت رابعهم، وقد أعد الفريق مسودة قانون للإشهار كانت في حدود 76 مادة أحيلت لرئاسة الجمهورية التي أحالتها للجنة وزارية برئاسة المرحوم العقيد أحمد ولد منيه الذي كان وزيرا أمينا عاما لرئاسة الجمهورية، وأذكر أن تلك اللجنة اجتمعت مرة واحدة وأوصت بثلاثة أمور:

أولها: اختصار القانون في حدود الممكن.

ثانيها: تأكيد منع الإشهار لأي منتج لا يستوفى الشروط القانونية لدخول السوق الموريتانية.

ثالثها: التوسع في مجالات الإشهارات المتسمة بالنفع العام والإشهارات الإعلامية التي تنير المستهلك ولا تروج لحاجات لا يمكن إشباعها.

وتعاقب على الوزارة منذ ذلك التاريخ أي منذ 19 سنة 17 وزيرا ووزيرة حاول كل منهم تحريك الموضوع وفُعلت لجنة برئاسة المرحوم محمد الأمين ولد سيدي حامد في وقت من الأوقات، وبدأت مراجعة الصياغة، وبرحيل محمد الأمين ولد سيدي حامد توقف الموضوع وظل يراوح مكانه حتى السداسي الأخير من سنة 2015 حين ذكر الأمين العام السابق الشيخ ولد بعسرية الذي كان من العارفين بالموضوع بأهمية موضوع الإشهار خلال اجتماع للديوان وطرحه على الوزير الدكتور محمد الأمين ولد الشيخ الذي أخذ الموضوع على محمل الجد وقدم بيانا لمجلس الوزراء أعاد الموضوع لصدارة اهتمامات الحكومة وصدرت تعليمات واضحة بشأن إعداد القانون القديم الجديد للإشهار وكلفت بتنسيق لجنة عهد إليها بصياغة مشروع القانون الجديد ولم يكن الموضوع سهلا فبين الأمس واليوم تغيرت أشياء كثيرة وجرت مياه كثيرة تحت الجسور وتعاظم اهتمام كل الفاعلين بالإشهار وتعاظم دور الإشهار في كل مناحي الحياة وأصبح مصدرا هائلا لتمويل الإعلام الجديد ولتسويق السياسات والبرامج الإنمائية المختلفة، بل إن الإشهار خلال الحقبة الأخيرة تجاوز كل الحدود ودخل كل البيوت وتفاعل مع العقول والعواطف والغرائز ولم يعد تجاهله ممكنا.

كان على اللجنة أن تقيم الموجود وتستشرف الموعود وقد وضعت خطة منهجية بدأت بتجميع وقراءة النصوص المنظمة للأشهار عبر العالم وتواصلت داخليا مع عينة من متكاملة من مكونات المنظومة الإشهارية وأسجل هنا للأمانة أهمية وجدية ومهنية العمل التحضيري الذي أنجزته مجموعة الكتاب الصحفيين من خريجي المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء فقد تفاني هؤلاء الزملاء في العمل سواء منهم من كانوا ضمن تشكلة فريق إعداد القانون أو من طلبت منهم المساعدة، ووفقوا في تمهين النص القانوني وفى تبيئته ليصبح موريتانيا بامتياز، وقد أفلح الشيخ التجاني ولد باب المدير المساعد للسمعيات البصرية مقرر اللجنة في غربلة وميز كل النصوص وكل الأفكار وكل الصياغات وكان دائما جاهزا لتقديم صياغة موضبة، مشذبة ومهذبة تشعرنا دائما بمدى التقدم الذي نحرزه نحو تحقيق الهدف.

ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أشيد بدور الأمين العام الحالي سعادة السفير المختار ولد داهي فقد أعاد قراءة النص من ألفه إلى يائه وأدخل تصحيحات جوهرية عكست عمق ثقافته وطول باعه المنهجي وسعة تجربته ونجاعة مقارباته القانونية.

وهنالك الأستاذ محمد عبد الله ولد البصري الذي هو جندي مجهول معلوم وزميل عزيز أعاد صياغة النص وضبط ترجمته ووضعه في شكله النهائي مستفيدا من تجربته المعتبرة في صياغة قانون تحرير الفضاء السمعي البصري وغيره من النصوص المرجعية.

وهنالك آخرون لم يتسع المقام لذكر أسمائهم ساهموا مساهمات معتبرة في بلورة قانون الإشهار وأخرجوه للوجود.

لقد كان إنجاز قانون الإشهار ثمرة لإرادة سياسة سامية راسخة تجنح لتحديث وعصرنة الإعلام وكان عملا تشاركيا رائعا تزاحمت فيه عقول كثيرة لأجيال متتالية فمنذ الوزير الذي أطلقه المرحوم الرشيد ولد صالح إلى الوزيرة الحالية آوا الشيخ سيديا تنديا التي قدمته وأصدرته تغيرت أسماء الوزارة المعنية مرات عديدة فمن وزارة الاتصال إلى وزارة الاتصال والعلاقات مع البرلمان إلى وزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والنطق الرسمي باسم الحكومة إلى وزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني وتعاقب عليها طيلة 19 سنة 17 وزيرا ووزيرة خدموا تحت إشراف 5 رؤساء منهم من انتقل إلى الرفيق الأعلى فرحمة الله عليهم ومنهم من ما زالوا معنا أطال الله في أعمارهم وكل منهم ساهم بشكل أو بآخر في إنجاز هذا القانون وغيره من النصوص التنظيمية.

وكما يقول نابليون بونا بارت “الهزيمة نكرة وللنصر آباء كثر” وقد تحقق النصر وآباؤه هم كل من شارك بتوجيه أو رأي أو فكرة في منح موريتانيا قانونا وطنيا متكاملا للإشهار يشكل إلى جانب قانون حرية الصحافة والنشر وقانون تحرير الفضاء السمعي البصري ثالثة أثافي الحريات الإعلامية التي تترسخ باستمرار.

لقد انتهت مرحلة الإعداد وبدأت معركة إنفاذ القانون وهي أم المعارك وتتطلب مساهمة كافة الفاعلين كل باسمه ووسمه ومن موقعه المهني.

رابط مختصر