أسباب نجاح منت اكليب/ موسى فال

279 views قراءة
أخر تحديث : الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 1:13 صباحًا

تروي لنا قصة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ما حدث لإمبراطور كان مولعا بالأناقة في الملبس. ذات يوم زعم محتالان أن بإمكانهما حياكة قماش لا يمكن أن يراه سوى الأذكياء والموهوبين، فطلب منهما الإمبراطور أن يفصلا له بدلة من هذا القماش.

وعندما ذهب لللإطلاع على سير عملهما لم ير شيئا طبعا، لا هو ولا وزراؤه، ولكنهم رفضوا أن يقروا بذلك لأن ايا منهم لا يريد أن يكون غبيا أو عاجزا.

عندما أعلن المحتالان أن البدلة قد أصبحت جاهزة بدأ المطبلون يتغنون بمواصفات هذا القماش العجيب، وتمثل الإمبراطور وكأنه يرتدي بدلته الجديدة.

خرج العاهل “بملابسه”، رفقة وزرائه، على شعبه الذي زعم، هو الآخر، أنه يرى البدلة ويعجب لأناقتها.

طفل واحد استطاع أن يقول الحقيقة وصرخ “الملك عريان”. وعندما قالها أكد الجميع أنه على حق. عندها فهم الملك أن شعبه محق ولكنه تابع سيره دون أن يعبأ لما يدور حوله ودون أن ينبس بكلمة.

وعلى سبيل المقارنة، فإن صرخة هذا الطفل العفوية في خضم هذه الجلبة من النفاق تذكر بالتدخل الذي قامت به مؤخرا خديجه بنت كليب في أطار.

ربما يكون الوقت قد حان لنطرح السؤال التالي : لما ذا لقي هذا التدخل كل هذا القبول والاستحسان من طرف شعب بأكمله ؟

هذه الظاهرة يجب ربطها بالمشاركة الجماهيرية والمتنوعة للسكان في مسيرة المعارضة يوم 29 أكتوبر الماضي. إن قوة تأثير هاذين الحدثين يجب البحث عنها في الاحساس بوضعية أصبحت لا تطاق، يوما بعد يوم، من طرف بلد ومن طرف شعب بأسره. إنه إحساس بلد يختنق ويتساءل بقلق حول حاضره ومستقبله القريب.

وسنحاول فيما يلي تحليل الأسباب الرئيسية لهذا القلق وعدم الارتياح الذي يحسه مواطنونا.

  1. إن البلد وسكانه يفتقرون يوما بعد يوم بسبب السياسة الاقتصادية التي تنتهجها السلطات العمومية. فبعد أن أفسدت تسيير (وهو تعبير مجازي) الثروة الهائلة الناتجة عن سنوات الارتفاع غير المسبوق لأسعار المواد الأولية، أصرت هذه السياسة على الاحتفاظ بمستوى مداخيل ميزانية الدولة، وذلك بتعويض هبوط واردات القطاع الاستخراجي باقتطاعات مباشرة من القدرة الشرائية للمواطنين ومن المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

وبعبارة أخرى لقد قررت السلطة، بصورة واعية وخارج حدود المطاق، تعويض انخفاض واردات القطاع الاستخراجي باقتطاعات لا تطاق من الفاعلين الاقتصاديين الآخرين، مما كانت له انعكاسات سيئة تمثلت في افقار المواطن بشكل مستمر، وتدهور مطرد في مناخ الاعمال، بما لذلك من نتائج سلبية على الاستثمار والتشغيل.

الأخطر من ذلك، هو أن الموارد المحصلة بهذه الطريقة توجه، لا لتحسين نوعية الخدمات الاساسية وخاصة التعليم والصحة والعاملين في حقليهما، ولا إلى التخفيف من الضغط الجبائي على الفئات الأكثر فقرا من السكان، بل توجه لتمول – بمبلغ يصل 140 مليار أوقية أي 30 في المائة من الميزانية – مشاريع لا تلبي أي معيار من معايير انتقاء وانجاز المشاريع التي يتطلبها البحث عن الفعالية والنجاعة في استخدام الأموال العمومية.

والأدهى من ذلك هو كون انعكاسات هذه الأعمال تعود بصورة حصرية على مقاولات ووسطاء من المحيط المباشر للسلطة، مما يفاقم من الظلم في توزيع الثروات، الأمر الذي لا يمكن الا أن يزيد من الاستياء والاحباط.

سواء تعلق الأمر بالضريبة، أو بالتحكيم في توجيه الموارد بين الاستثمار وتحسين نوعية الخدمات العمومية، أو بانتقاء ونوعية انجاز المشاريع، أو بالتوزيع العادل والشفاف لعائدات نشاطات الدولة، فإننا سنظل نكرر أن هذه الخيارات المتعلقة بالسياسة الاقتصادية قد تسببت وستظل تتسبب في اضرار جسيمة للبلد ولاقتصاده واستقراره.

  1. إن البلد يختنق تحت تأثير الارتفاع غير المحسوب والمذهل للاسعار. ففي ظرف سنة واحدة عرفت أسعار المواد الأساسية زيادات مذهلة. كيلوغرام الأرز الذي كان ب220 أوقية أصبح ب300 أوقية، وكيلوغرام السكر ارتفع من 200 أوقية الى 300 أوقية، كما أصبح كيلوغرام الفحم يباع ب300 أوقية. أما كيلوغرام “الكوربين” (السمك) فيتجاوز أحيانا 2500 أوقية في الوقت الذي ارتفع فيه سعر لتر الزيت من 350 الى 450 أوقية. إن هذا الواقع المعاش والذي تعاني منه كل أسرنا يشكل تكذيبا صارخا للإحصائيات الرسمية التي تتحدث عن نسبة تضخم لا تتجاوز 1,6 في المائة في سنة 2016.

إن هذا الارتفاع الصاروخي للأسعار ليس وليد الصدفة، بل هو ناتج عن توجه السياسات المالية والنقدية التي تتبعها السلطات الحالية. إن زيادة الضرائب المقررة في إطار قانون المالية المعدل في أغسطس 2015 قد تجلت سنة 2016 في واردات اضافية بنسبة 22,7 في المائة على مستوى الرسوم على البضائع والخدمات، و240,2 في المائة على مستوى الرسوم على المواد البترولية، و71 في المائة على مستوى الرسوم على المواد الاستهلاكية.
وعلى المستوى النقدي، فإن سعر الدولار مقابل الأوقية قد إرتفع من 241 أوقية في 2008 الى 3599 أوقية مقابل الدولار الواحد حاليا، وهو ما يعني أن الأوقية فقدت 49 في المائة من قيمتها خلال هذه الفترة، وهذا الانخفاض قد زاد حدة خلال السنتين الأخيرتين ولا يزال متواصلا.

  1. إن البلد مصدوم من استخدام السلطة من أجل الثراء الشخصي، والاستيلاء بدون خجل على المرافق العامة من اجل بناء الحوانيت (مدرسة الشرطة التي بنتها المملكة العربية السعودية)، أو الفنادق (الملعب الاولومبي ثمرة التعاون الموريتاني الصيني)، أو بناء مجمعات من المتاجر (أرض من 6000 متر مربع تخلت عنها المنطقة الحرة لصالح شخص لا يحتاج الى تعريف، أو بيع سكن سفيرنا في واشنطن. ضف الى ذلك احتكار الوساطة في صفقات التراضي بتمويلات مشروطة، ومنح صفقات في الظلام ممولة من الموارد الذاتية للدولة، والمحسوبية التي ولدت طبقة جديدة من الأغنياء في المحيط المباشر للسلطة (لقد نشرت الصحافة مؤخرا لائحة 15 من الأغنياء الجدد مع المعلومات التفصيلية حول تطور ومصدر ثرائهم).
  2. إن البلد ينتابه قلق شديد من تدهور علاقاتنا مع جيراننا ومع شركائنا الاستراتيجيين. إن علاقاتنا مع السينغال والمغرب ومالي وفرنسا تعرف تدهورا مقلقا في الوقت الذي يجب أن تدفعنا فيه كل الاعتبارات الجيوستراتيجية الى التطوير المستمر لصداقتنا وتعاوننا مع هذه البلدان التي نتقاسم معها مصالح وقيما وروابط لا تنفصم وستبقى رغم كل الانزلاقات والممارسات غير اللائقة. فاليوم نتهم بأننا تخلينا عن سياستنا التقليدية في الحياد حيال قضية الصحراء الغربية، ونتهم بمساندة يحيى جاميه في رفضه لتسليم السلطة بعد أن هزم بصورة ديمقراطية، كما يرشح من الخطابات والتصرفات الرسمية إرادة في تغذية مشاعر معادية لفرنسا.

إن بلدنا بحاجة أكثر من أي بلد آخر الى أن ينفتح. إن بلدنا، الذي لا يزيد سكانه على أربعة ملايين نسمة منهم 31 في المائة يعيشون تحت خط الفقر حسب الارقام الرسمية، لا يشكل سوقا يستطيع أن يمكن من تنويع اقتصاده وتطويره وضمان أمنه. وبالتالي فهو بحاجة لديبلوماسية أقل استفزازية وأكثر مرونة وتعاونا، تعززها إرادة في الاندماج في محيطها الطبيعي والانفتاح على بقية العالم. إن بلدا ينعزل سيختنق مع مرور الزمن وسيتحلل. وذلكم هو الخطر الذي يتهددنا.

  1. البلد مهدد أكثر من أي وقت مضى بتصاعد القبلية وشوفينية الدولة التي أصبحت تشجع بصورة سافرة، كما أنه مهدد بعدم التسامح والتطرف والظلامية. إن هذا المسار الخطير سيقود لا محالة الى المجابهة وزعزعة الاستقرار.

إن موريتانيا بلد تتعايش فيه عدة مكونات لكل منها خصوصياتها ومميزاتها. وإن هذه المكونات المختلفة بحاجة الى مجتمع أكثر عصرية وأكثر مواطنية لكي تتعايش. إن لدينا مجموعات تحس بأنها ضحية للتمييز، وتطالب بتسوية الارث الانساني، وتشتكي من الاستيلاء على أراضيها، وتطالب بمزيد من الانصاف والاعتبار لها ولثقافتها، واحترام حقها في الولوج بعدالة للمصالح العمومية وخاصة للحالة المدنية.

لدينا كذلك مواطنون وقعوا ولا زالوا يقعون، بشكل أو بآخر، تحت نير العبودية ويطرحون، أحيانا بحدة، مشكلة القضاء على العبودية ومخلفاتها.

إننا في القرن الحادي والعشرين حيث لا أحد باستطاعته أن يكون بمنأى عن التأثيرات الايجابية والسلبية للعولمة.

كيف لنا إذن أن ندير ظهورنا في هذه الظروف للإصلاحات الضرورية التي تتطلبها عصرنة جسمنا الاجتماعي، وننكمش في قوقعة الهوية الضيقة وإلغاء الآخر مما يشكل مصدرا للذاتية والحقد والمجابهة.

إنه يحق لنا أن نتساءل حول النوايا الخفية التي تحرك هذا التوجه.

  1. لقد أخذ الخوف كل مأخذ من النفوس بسبب غياب الأمن، حيث لا يمر يوم دون أن تحدث اغتيالات واغتصابات وسرقات واعتداءات ضد المواطنين العزل.

المحيط ملوث بالانبعاثات الضارة بالصحة والروائح الكريهة الني تفوح من القمامة التي اصبحت تسد اغلب شوارع نواكشوط منذ مغادرة شركة “بيزورنو”، كما هو الحال في بقية المدن الكبرى في البلد.

أمام تراكم هذا الحجم من المخاطر فإن المواطنين وممثليتهم الوطنية (سواء من الأغلبية أو من المعارضة) معزولون عن كل مشاركة في القرارات الاستراتيجية التي تحدد مصيرهم ومصير أبنائهم. إن تسيير الأمور العامة تطبعه الارتجالية والاستبداد وعدم الشفافية.

إن هذا هو الإحساس الذي يغمر وجدان بلد يغرق في الفقر ويتجه الى أوضاع تطبعها الصراعات غير المحسوبة العواقب سواء في علاقاته الخارجية أو في تسيير المشاكل المجتمعية، هذا الاحساس هو الذي يولد عدم الارتياح والقلق العميقين لدى كل واحد منا.

إن خطورة هذه الوضعية وحجم المخاطر التي تتهددنا تخاطب ضمير كل المواطنين وتدعوهم للانخراط في مجهود جماعي لإنقاذ الوطن.

رابط مختصر