المعارك المنسية في موريتانيا الغربية ( الحلقة الثالثة) للباحث محمد ولد سيد محمد

4٬613 views مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 20 نوفمبر 2016 - 1:11 صباحًا
المعارك المنسية في موريتانيا الغربية ( الحلقة الثالثة) للباحث محمد ولد سيد محمد

يوم 11/11/1926 كانت طائرتان من أسطول شركة لاتكوءير في طريقهما من الداخلة إلى طرفاية ، قادمتان من داكار و الوجهة الدار البيضاء ، في إحداهما الطيار كُورْبْ (Léopold Gourp) و المترجم عطاف ، و في الثانية أَرَابَلْ (Henri Erable) و الميكانيكي الإسباني بينتادو  (Lorenzo Pintado)  عند ما تعطلت طائرة الأول و اضطر للهبوط قرب بوجدور ، فعاد أرابل إليه ليساعده ، و لكنه كسر طائرته أثناء الهبوط ، لم يمض وقت طويل حتى وجدوا أنفسهم محاطين بمجموعة من اركيبات ، استسلموا لقدرهم ، فلا خيار مع الزمن ، بعد أن عزلوهم عن المترجم أطلقوا عليهم النار ، سقطوا كلهم ، و لكن كورب لم يكن قد مات و إنما أصيب في فخذه التي اخترقتها رصاصة ، هَمَّ عبد الله ول لجرب و هو قائدهم بذبحه ، فقال له المترجم هذا أسير و جريح و أنت سَيِّدُ الصحراء ، فلو اخترت لأخذت عليه أجرا ، اقتنع القائد بالأمر و أمر بحمله بعد أن أُحرقت الطائرات لتبدأ المفاوضات بشأنه ، أُطلق سراحه مقابل 5000 بيزيتا  و وصل الدار البيضاء يوم 2 ديسمبر ، و لكن و ضعه الصحي كان قد ساء كثيرا بسبب الجرح الغير معالج ، من ما أدى إلى وفاته أياما قليلة بعد إطلاق سراحه يوم 5 ديسمبر من نفس السنة. كتمت فرنسا غيظها و أصرت في داخلها على تصفية ول لجرب ، و هو ما قالت إنها تمكنت منه بعد الهجوم على

انواذيبو[1] سنة 1927 ، يذكر بأن كورب كان من ضمن أول رحلة تجارية من الدار البيضاء إلى داكار مايو 1925.

في يوم 2 مارس 1927 هبطت الطائرة المائية “أورغواي” و المتجهة إلى أمريكا اللاتينية بعد تعطلها قبالة آخفنير و على متنها أربعة أشخاص كلهم من الأورغواي و تحت قيادة المقدم لار بورغيس (Toddeo Larre-Borges) ، ليتم اختطافهم من قبل أبناء الصحراء ، و سيتم إطلاق سراحهم أياما قليلة بعد دفع فدية 5000 بيزيتا.

و لكن سيبقى الحدث الأهم هو احتجاز الرهينتين الفرنسيتين الطيار”رَينْ” (Marcel Reine) و المهندس “سَيرْ” (Edouard Serre)، نتيجة التعقيدات التي حصلت في مسار المفاوضات و تدويل المسألة و اتخاذها طابعا سياسيا ، أكثر من مجرد طلب منفعة مادية ، كذلك فإن هذه العملية ستترتب عليها قرارات ستُغير وجه المنطقة إلى الأبد.

رافق المهندس سير و هو رئيس مصلحة بشركة لاتكوءير ، التي يتبع لها خط الطيران التجاري مابين فرنسا و أمريكا اللاتينية ، رافق الطيار رين يوم 28 يونيو 1928 على متن طائرته في رحلة من المفترض أن تقودهما من تولوز بفرنسا إلى داكار ، ثم إلى  بوينس آيرس بالآرجنتين في أمريكا اللاتينية بالنسبة ل سير ، في الدار البيضاء سينضم محمد[2] إلى الفريق و هو مترجم مغربي ، من ضمن محطات التوقف على مسار رحلتهما الطويلة ، ستكون الأولى أكادير ثم طرفاية ، الداخلة ، فنواذيبو ، غادرت الطائرة طرفاية 2:30 فجر يوم 29 يونيو ، و حسب البرنامج يجب أن تصل الداخلة التاسعة صباحا ، اختار الطيار أن يبتعد

 

شرقا عن الشاطئ لحسابات تتعلق بظروف الطيران الليلي ، و حساباته في تلك الفترة تختلف عنها في أيامنا هذه ، كان يعرف بأن أعلى ارتفاع أرضي في مساره لا يبلغ 200 متر من مستوى سطح البحر، و لم تكن سلامة المواصفات التقنية لطائرته تسمح بالإرتفاع أكثر من 400 متر ، و لإن كان الحَدُّ الأعلى للإرتفاع خط أحمر ، لا يجوز تجاوزه بأي حال ، فلم يكن الأمر كذلك بالنسبة للإنخفاض إن دعت إليه الضرورة ، نتيجة تفاوت الإرتفاعات على سطح الأرض ، بعد أن استوت الطائرة في الجو لا حظ الفريق أن المصباح متعطل ، و سيلتهم الوحيدة لقراءة آلة قياس الإرتفاع عندهم في الظلام ، و بقي للطيار أن يتبع حدسه ، و الإنخفاض أولى من الإرتفاع ، بعد ساعة من الطيران ارتجت الطائرة بعنف ، بعد أن ارتطم أسفلها بالأرض و بسرعة 180 كلم في الساعة ، استطاع الطيار أن يهبط بالطائرة في الفلاة و بدون عجلات دون أن يصاب أحد بأذى ، كانت الطائرة قد فقدت عجلاتها و انكسر أحد الأجنحة و تحطم أسفلها ، يعرف الطيار بأنه 200 كلم من الداخلة ، و 30 كلم تقريبا من الشاطئ ، و يعرف أيضا بأنه في قلب ارض البيظان و يجب أن يتصرف ، و لكن الخيارات جد محدودة ، و أولها الوصول للشاطئ و الإختباء فيه قبل عثور “الرجال الزرق” على الطائرة. أخذوا معهم بعض الخضروات و المعلبات و البيض المقلي كانت متجهة إلى انواذيبو و كذلك حاوية من 18 لتر من الماء مرافقة للطائرة بصفة دائمة وغادروا ، و قبل ذلك ترك رين رسالة تخبر باتجاههم  في حال وصل أحد أصدقائه للطائرة ، المسافة طويلة ، و الحمل ثقيل ، و الصبح يطاردهم ، فجأة يتوقف محمد ، فسألاه ما الخطب ، أخبرهم بأنه سيصلي ، بدت عليهما الحيرة و هما يريانه ينظف وجهه و يديه بالتراب حسب وصفهم ، فلم يكونا قد رأيا التيمم من قبل ، و انتظرا انقضاء الصلاة بفارغ الصبر ، و عيونهم تارة إلى السماء ، يعدون أشعة الشمس أثناء بزوغها ، و تارة إلى الأرض مخافة أن تُخرج أثقالها ، و لكن محمد و الذي بدا الخوف عليه جليا أطال الدعاء ، و أضاع عليهما وقتا كثيرا قبل أن يواصل معهما المسير. بعد أن أشرقت الشمس و الوقت ضحى ، توقفوا لإستراحة قصيرة و أخذوا يتناولون الفطور المعد أصلا ، ما هي إلا دقائق حتى قفز المترجم و هو يقول “maures, maures, …”[1] و قد رفع يديه ، في إشارة إلى أنه غير مسلح ، و أخذ يُؤكد للمحاربَيْنِ الحسين و بَتِّي بأنه لا أحدا من المجموعة يحمل السلاح ، بعد التأكد من الأمر طلبا منهم مرافقتهما إلى الطائرة ، ، و هناك وجدوا أحمد و محمد لحبيب ، و الكل من اركيبات ، بعد تفتيش الطائرة أضرم بتي فيها النار و طُلِب من الجميع التقدم إلى “لَخْيَامْ” ، و التي تبعد 20 كلم عن مكان الحادث في اتجاه عمق الصحراء ، بعد الوصول أُدخلوا خيمة بتي و قدمت لهم زوجته سَلَّكْهَ  “أَزْرِيكْ” و هو لبن أضيف إليه بعض الماء ، و سط زغاريد النساء و صراخ الأطفال “رومي” “رومي” ، و البعض “نصراني” نصراني”، و رومي مصطلح كان يطلقه الأوائل على الغربيين نسبة إلى الروم .

ازداد القلق على الطائرة بعد أن تجاوزت الوقت المحدد لها للوصول إلى طرفاية ، و ازداد أكثر بعد أن تجاوزت الوقت النظري لنفاد الوقود منها و لم تصل بعد ، و حتى لم تتصل ، فانطلقت الطائرات للبحث عنها من أكادير ، طرفاية ، الداخلة و انواذيبو لأربعة أيام دون جدوى ، حتى وصل الداخلة رسول اركيبات ، مخبرا بوضعية الرهائن و مبلغا شروط الجماعة للإفراج عنهما ، و هنا سيبدأ فصل جديد له ما بعده.

ينواصل في الحلقة الرابعة

لقراءة النص الكامل اضغط على الرابط التالي :

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d8%b1%d9%83-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%aa%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9

 

رابط مختصر